من “بنك التسليف” إلى عملاق الشمول المالي.. كيف ساهمت رؤية “محمد أبو السعود” في إعادة صياغة فلسفة البنك الزراعي المصري؟

على مدار عقود طويلة، ارتبطت الصورة الذهنية للبنك الزراعي المصري لدى العامة بكونه “بنك التسليف”؛ تلك المؤسسة التقليدية التي يقتصر دورها على تقديم قروض الأسمدة والتقاوي ومساندة الفلاح في الأزمات. لكن في السنوات الأخيرة، وتحديداً مع تولي الإدارة التنفيذية الحالية، وبصمة الأستاذ محمد أبو السعود (نائب رئيس مجلس الإدارة لقطاعات التشغيل ونظم المعلومات)، شهدت فلسفة البنك تحولاً بنيوياً حوّله من جهة إقراض قطاعية إلى واحد من أكبر المؤسسات المصرفية والتنموية الداعمة للشمول المالي والتحول الرقمي في مصر.
استند “أبو السعود” إلى خلفية مصرفية تكنولوجية صلبة، ليقود جبهة “التطوير الهيكلي والرقمنة” بالبنك، مؤمناً بأن دعم الفلاح يبدأ من منحه تجربة مصرفية ذكية لا تقل كفاءة عما تقدمه البنوك التجارية الكبرى في العواصم
1. التكنولوجيا في خدمة الأرض.. فلسفة “الرقمنة الريفية”
التحدي الأكبر الذي واجهه محمد أبو السعود كان يتمثل في كيفية إدخال ثقافة “المصرفية الرقمية” إلى مجتمع الريف والمزارعين. وتمثلت الفلسفة الجديدة في تحويل التكنولوجيا من “رفاهية” إلى “أداة إنتاجية”:
تحديث البنية التكنولوجية (Core Banking System): أشرف أبو السعود على ثورة صامتة لتحديث الأنظمة البرمجية المركزية للبنك، مما سمح بربط الفروع المنتشرة في عموع الجمهورية (والتي تتجاوز 1150 فرعاً) بنظام موحد فائق السرعة والأمان.
إطلاق كارت “الفلاح”: تحول البنك إلى الشريك التنفيذي الأول للدولة في إصدار المنظومة الرقمية للحيازات الزراعية، وربطها بالخدمات المصرفية، مما أتاح صرف الدعم النقدي والتمويلات بضغطة زر وبأعلى درجات الشفافية.
نشر شبكات الصراف الآلي (ATM): قاد البنك خطة طموحة لنشر آلاف الماكينات في القرى والنجوع التي لم تكن تحلم بوجود ماكينة صراف آلي، لتصبح فروع البنك بمثابة مراكز خدمية متكاملة لبرنامج “حياة كريمة”.
2. توسيع المفهوم التنموي: تمويل السلاسل لا الأفراد فقط
تغيرت فلسفة الإقراض تحت إشراف الإدارة الحالية وقطاعات التشغيل؛ فبدلاً من تمويل المزارع الصغير بشكل منفصل ومنعزل، اتجه البنك نحو “تمويل سلاسل القيمة” (Value Chain Financing)
الفلسفة الجديدة: تمويل المنظومة من البداية للنهاية؛ حيث يتم توجيه التمويل للمزارع، والمصنع، والناقل، والمصدر، لضمان تسويق المحاصيل وحماية صغار المزارعين من تقلبات الأسعار.
كما شملت هذه الفلسفة التوسع الكبير في “المشروعات القومية لثروة الحيوانية” (مثل مشروع إحياء البتلو) ومشاريع “التحول لنظم الري الحديث”، حيث نجح البنك في تبسيط إجراءات المنح وتقليص البيروقراطية عبر الأنظمة الرقمية الجديدة التي استحدثها قطاع التشغيل.
3. تمكين المرأة الريفية والشباب عبر “باب رزق”
لم تعد فلسفة البنك تقتصر على من يمتلك “حيازة زراعية” فقط، بل امتدت لتشمل كل الطاقات الإنتاجية في القرية المصرية. ومن أبرز الأدلة على هذا التحول التنموي هو إطلاق برنامج تمويل “باب رزق”:
التمويل متناهي الصغر: قروض ميسرة للغاية تُمنح للمرأة الريفية والشباب لإقامة مشروعات تربية الطيور، الصناعات اليدوية، والتجارة البسيطة.
المرونة والسرعة: بناءً على تيسيرات أنظمة التشغيل، أصبح بإمكان العميل الحصول على القرض بالبطاقة الشخصية فقط وفي غضون أيام قليلة، مما ساهم في جذب مئات الآلاف من القطاع غير الرسمي إلى مظلة القطاع المصرفي.
خلاصة القول:
نجح الأستاذ محمد أبو السعود، بالتناغم مع الرؤية العامة لمجلس إدارة البنك الزراعي، في إثبات أن البنوك التنموية يمكنها أن تخلع عباءة التقليدية دون أن تفقد هويتها. لقد تحول البنك الزراعي المصري من بنك لمواجهة الأزمات، إلى محرك مالي ذكي يقود قاطرة التنمية المستدامة والرقمنة في أعماق الريف المصري



