التأمين متناهي الصغر: نحو تحقيق الشمول المالي وتعزيز المرونة الاقتصادية بقارة أفريقيا
التأمين متناهي الصغر: نحو تحقيق الشمول المالي وتعزيز المرونة الاقتصادية بقارة أفريقيا
المقدمة
يُعد التأمين متناهي الصغر أداة حيوية وفعالة لتعزيز الشمول المالي وتعزيز القدرة على الصمود أمام المخاطر المتنوعة في قارة أفريقيا، ويستهدف هذا النوع من التأمين بشكل أساسي الأفراد والأسر ذات الدخل المنخفض، إلى جانب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تشكل العمود الفقرىللاقتصادات الأفريقية، وفي إطار التحديات التى تواجها القارة على سبيل المثال لا الحصر الفقر، والمخاطر المناخية والصحية، ومن هنا يبرز التأمين متناهي الصغر كحل مبتكر يحول المخاطر غير المتوقعة إلى فرص للنمو المستدام، من خلال تقديم منتجات بسيطة ومنخفضةالتكلفة تغطي مجالات حيوية مثل الحياة، والصحة، والزراعة، والممتلكات.
وقد مر التأمين متناهي الصغر في أفريقيا بمراحل تطور تدريجياً فقدشكلت فترة منتصف التسعينيات نقطة تحول نوعية مع دخول شركات التأمين الخاصة، وبدأت بتصميم منتجات مخصصة للفئات منخفضة الدخل، مدفوعة بنمو التمويل متناهي الصغر والطلب المتزايد على الحماية التأمينية.
ومنذ أواخر التسعينيات، اتخذ التأمين متناهي الصغر طابعاً أكثر تنظيماً، من خلال شراكات استراتيجية بين شركات التأمين ومؤسسات التمويل الأصغر والمنظمات الدولية، ليصبح أداة تنموية حقيقية في مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية للقارة.
وتُعد أفريقيا قارة تتميز بإمكانيات اقتصادية واعدة وتحديات تنموية كبيرة في الوقت ذاته، حيث يشكل القطاع غير الرسمي العمود الفقري للاقتصاد، ويعتمد ملايين الأسر والمؤسسات الصغيرة على دخل يومي غير مستقر، ومع ذلك، يواجه هذا القطاع تحديًا جوهريًا يتمثل في وجود فجوة تأمينية تتطلب الوصول الشامل للفئات ذات الدخل المنخفض، خاصة مع سيطرة الاقتصاد غير الرسمي وتزايد المخاطر المناخية التي تهدد سبل عيش الملايين من المزارعين والعاملين.
ويعتمد النجاح في تعزيز الوصول الشامل للتأمين متناهي الصغر على ثلاث ركائز أساسية: نماذج أعمال مبتكرة تعتمد على التكنولوجيا الرقمية (مثل الدفع عبر الهواتف المحمولة والتأمين البارامتري)، إلى جانب إطار تنظيمي مرن يراعي احتياجات السوق، وشراكات استراتيجية بين الحكومات والقطاع الخاص والمنظمات الدولية، مع تزايد الاعتماد على التكنولوجيا المالية والدفع عبر الهواتف المحمولة، أصبحت حلول التأمين متناهي الصغر أكثر كفاءة وانتشاراً، مما يفتح أبواباً جديدة للابتكار في التصميم والتوزيع، ويجعل من الممكن الوصول إلى ملايين المستفيدين في المناطق النائية والريفية بتكلفة منخفضة وفعالية عالية.
التأمين متناهي الصغر في أفريقيا : رؤية استراتيجية لمستقبل التأمين في أفريقيا
يشهد قطاع التأمين متناهي الصغر في أفريقيا تحولاً هيكلياً، يتميز بتنويع المنتجات وتحديث قنوات الوصول.حيث تُعدّ أفريقيا من أبرز أسواق التأمين متناهي الصغر، مدفوعةً بشكل أساسي بوجود شريحة واسعة من السكان ذوي الدخل المنخفض، إلى جانب النمو الاقتصادي الإيجابي في المنطقة، حيث تشهد أسواق التأمين متناهي الصغر في أفريقيا نموًا ملحوظًا وواعدًا في السنوات الأخيرة، مدفوعًا بالابتكار الرقمي والشراكات الاستراتيجية، إلا أن معدل الاختراق لا يزال محدودًا نسبيًا مقارنة بالاحتياجات الفعلية للسكان، ويوضح الشكل التالى تطور التأمين متناهى الصغر في أفريقيا خلال الفترة من 2025 إلى 2034.
الشكل رقم (1) :يوضح تطور التأمين متناهى الصغر في أفريقيا من 2025 إلى 2034
بلغ حجم سوق التأمين متناهى الصغر في أفريقيا 4.5 مليار دولار أمريكي في عام 2025. حيث من المتوقع أن يصل حجم السوق إلى 8.4 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2034، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره 7.01% خلال الفترة من 2026 إلى 2034.
ويأتى نمو هذا القطاع مدفوع بعدة عوامل، بما في ذلك وجود شريحة كبيرة من السكان ذوي الدخل المنخفض، والتنفيذ التدريجي للأطر التنظيمية في العديد من البلدان الأفريقية، وتطوير وتنويع قنوات التوزيع، وخاصة القنوات الرقمية، وتجدر الإشارة إلى أن أزمة كوفيد-19 قد ساهمت فى اعتماد هذه السياسات، لا سيما فيما يتعلق بتغطية النفقات الطبية.
المصدر: https://www.imarcgroup.com/africa-microinsurance-market
الاتجاهات الرئيسية التي تشكل التأمين متناهي الصغر في أفريقيا
يشهد قطاع التأمين متناهي الصغر في أفريقيا تحولات جذرية واعدة تشكل ملامحه المستقبلية، مدفوعة بمزيج من الابتكار التكنولوجي والتطورات التنظيمية والحاجة الملحة إلى تعزيز الصمود الاقتصادي والاجتماعي أمام المخاطر المتزايدة. ومن أبرز هذه الاتجاهات التحول الرقمي السريع، حيث أصبحت تقنيات الهواتف المحمولة والمنصات الرقمية الوسيلة الرئيسية لتوزيع المنتجات وتحصيل الأقساط وتسوية المطالبات، مما يقلل التكاليف التشغيلية بشكل ملحوظ ويوسع نطاق الوصول إلى السكان في المناطق الريفية والنائية.
الاتجاه نحو التأمين البارامتري في الزراعة
انتشار نموذج التأمين البارامتري، خاصة في المنتجات الزراعية والمتعلقة بالمخاطر المناخية، إذ يعتمد على مؤشرات موضوعية مسبقة مثل كمية الأمطار، درجات الحرارة، بيانات الأقمار الصناعية لتقديم تعويضات بشكل تلقائي وسريع عند تجاوز الحد المحدد دون الحاجة إلى تقييم تقليدي للخسائر والأضرار.
ويوفر هذا النهج مزايا كبيرة من حيث السرعة والشفافية وانخفاض التكاليف الإدارية، مما يجعله خيارًا مثاليًا للمزارعين الصغار في مواجهة المخاطر المناخية المتزايدة كالجفاف والفيضانات، ويساهم في تعزيز قدرتهم على الصمود واستمرارية الإنتاج الزراعي.
التوزيع الرقمي
يعتمد التأمين متناهي الصغر في أفريقيا بشكل أساسي على تقنيات الهاتف المحمول والحلول الرقمية المتطورة، التي أحدثت نقلة نوعية في تبسيط الإجراءات وخفض التكاليف بشكل ملحوظ، مما جعل المنتجات التأمينية متاحة وميسرة للفئات الأقل دخلاً.
يشجع هذا النموذج الرقمي الذكي على إدماج سكان المناطق الريفية والنائية، وأصحاب المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، في المنظومةالتأمين، حيث تتيح تطبيقات الهواتف دفع الأقساط عبر الخدمات مثلM-PESA في كينيا، وتسوية المطالبات بسرعة فائقة دون الحاجة إلى زيارة مقر الشركة.، بما يعزز الثقة في القطاع من خلال الشفافية والسرعة في التنفيذ، ويفتح آفاقاً واسعة للتوسع فى التغطية التأمينية، مما يساهم في بناء مرونة اقتصادية حقيقية ودعم التنمية المستدامة في أنحاء القارة.
وفى عام 2025، أعلنت احدى الشركات عن تغطيتها لأكثر من 3.5 مليون شخص في غانا وكينيا ونيجيريا وأوغندا، مع سرعة معالجة المطالبات، مما يبرز قدرة منصات التأمين متناهي الصغر على التوسع السريع والفعال حيث يعد ثالث أكثر طرق الدفع شيوعاً لمنتجات التأمين متناهي الصغر في أفريقيا
الشمول المالي وتغطية القطاع غير الرسمي
أصبح التأمين متناهي الصغر تدريجياً أداة رئيسية للشمول المالي، مما يسهل وصول السكان ذوي الدخل المنخفض إلى آليات التغطيات التأمينية للحماية من المخاطر، وبالتالي يُسهم التأمين متناهي الصغر في دمج العاملين في القطاع غير الرسمي، وصغار المزارعين، وأصحاب المشاريع متناهية الصغر. ومن خلال تقديم منتجات منخفضة التكلفة مُصممة خصيصًا لتناسب قدرات الفئات السكانية الضعيفة، حيث يُساعد التأمين متناهي الصغر في تقليص “فجوةالحماية”، أي الفجوة بين المخاطر الفعلية التي يواجها الأفراد ومستويات التغطية المتاحة.
يشهد سوق التأمين متناهى الصغر في أفريقيا ديناميكيات نمو مستدامة، مدفوعة بظهور الحلول الرقمية عبر الهاتف المحمول، وتطوير منتجات مصممة خصيصاً لتلبية احتياجات الفئات السكانية الضعيفة.
يؤكد هذا التطور ظهور قطاع أكثر تنظيماً وجاذبية، لا سيما لشركات التأمين والمستثمرين. ورغم هذا التقدم الملحوظ، لا يزال مستوى انتشار التأمين متناهي الصغر منخفضاً جداً مقارنةً بإمكانيات السوق. علاوة على ذلك، يتعين على السوق التكيف مع الإصلاحات التنظيمية، والتقلبات المناخية، والمخاطر الناشئة، وتزايد التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية.
دعم السياسات والإطار التنظيمي
تعمل العديد من الدول الأفريقية على تعزيز أطر التأمين الشامل من خلال تبسيط إجراءات الترخيص، وتسريع الموافقة على المنتجات الجديدة، وإنشاء بيئات تجريبية تنظيمية تُشجع هذه الإصلاحات شركات التأمين وشركات تكنولوجيا التأمين على تطوير حلول تأمينية جديدة يمكن أن يساعد دعم السياسات في توسيع نطاق التأمين متناهي الصغر السوق، مما يعزز مصداقية القطاع ويمهد الطريق لتوسع أوسع وأكثر استدامة للتأمين متناهي الصغر.
تعزيز الوصول الشامل للتأمين متناهى الصغر: التجارب والحلول
حققت عدة دول أفريقية تقدمًا ملموسًا في تعزيز الوصول الشامل للتأمين متناهي الصغر، من خلال دمج الابتكار التكنولوجي مع السياسات الداعمة والشراكات متعددة الأطراف.
فقد أصبحت الحلول الرقمية، مثل الدفع عبر الهاتف المحمول والذكاء الاصطناعي في تقييم المخاطر ومعالجة المطالبات، أدوات أساسية لخفض التكاليف وتوسيع الوصول إلى الفئات الريفية والعاملين في القطاع غير الرسمي. دعمت السياسات التنظيمية المرنة هذا النمو من خلال تسهيل ترخيص المنتجات المبتكرة وتشجيع الشراكات بين شركات التأمين ومؤسسات التمويل الصغير ومشغلي الاتصالات.
ونتيجة لذلك، تحول التأمين المتناهي الصغر إلى محرك قوي للشمول المالي والصمود الاقتصادي، حيث يساعد الأسر الضعيفة على مواجهة المخاطر الصحية والزراعية والمناخية بتكلفة منخفضة، مما يعزز الاستقرار الاجتماعي ويفتح آفاق نمو مستدام للقطاع في مختلف أنحاء القارة.
كينيا
تُعد كينيا رائدة إقليمية في التأمين متناهى الصغر في شرق أفريقيا، إذ يضم أكثر من 50 شركة تأمين مرخصة حيث اعتمدت على الابتكار الرقمي لتوزيع منتجات التأمين متناهى الصغر، عبر الهواتف المحمولة، للوصول إلى ملايين المزارعين والعاملين في القطاع غير الرسمي، مع التركيز على المنتجات الزراعية البارامترية، وتسهيل دفع الأقساط وصرف التعويضات، وقد نجحت عده شركات في تقديم منتجات تجمع بين التأمين الصحي والزراعي والحماية من الفيضانات، وتغطي حالياً أكثر من 4 ملايين شخص، منهم مئات الآلاف من المزارعين، وتتمثل هذه النماذج فيا يلى:
– النموذج الرقمي/المحمول (Mobile-First Distribution): الاعتماد الأساسي على M-Pesa وتطبيقات USSD/SMS للتسجيل الفوري، دفع الأقساط (يومي/أسبوعي)، وتسوية المطالبات. وجود شراكات مع شركات الاتصالات خفضت من التكاليف بشكل جذري.
– التأمين البارامتري/المؤشري للزراعة (Index-based Insurance): نموذج عالمي رائد يعتمد على بيانات الطقس والأقمار الصناعية لدفع التعويضات تلقائياً عند تجاوز محدد (مثل نقص الأمطار). مثال: Kilimo Salama. هذا النموذج مثالي لصغار المزارعين ويقلل التكاليف الإدارية والاحتيال.
ومن أهم المنتجات في كينيا :
– التأمين الصحي متناهي الصغر.
– تأمين تكاليف الجنازات– يعد من أكثر المنتجات طلباً .
– التأمين الزراعي والماشية.
– الحوادث الشخصية، الائتماني، والسفر.
جنوب أفريقيا
جنوب أفريقيا تتصدر القارة بحجم سوقها ومعدل الاختراق وصل إلى11.5% عام 2024-2025 ويعد أعلى بكثير من معظم دول أفريقيا التي تقل عن 3%، مدفوعاً بشكل كبير بمنتجات تأمين تكاليفالجنازات. هذه المنتجات تشكل الجزء الأكبر من تغطية المخاطر، حيث تمثل حوالي 48% أي حوالي 22 مليون شخص لديهم وثيقة تأمين. يعزز الطلب المتزايد على هذا النوع من التأمين التقاليد الثقافية المنتشرة في البلاد، مما جعلها نموذجاً يُحتذى به في تعزيز الشمول المالي للفئات المنخفضة الدخل .
نيجيريا
تشهد نيجيريا نموًا متسارعًا في سوق التأمين متناهى الصغر حيثنجحت في تغطية أكثر من 532 ألف شخص بين عامي 2019 و2024 من خلال تقديم منتجات التأمين على الحياة والصحة للقطاع غير الرسمي. إلى جانب منتجات تأمين تكاليف الجنازات مما ساهمفي تعزيز الثقة وتوسيع الوصول بين النساء والأسر الفقيرة من خلال دمج التأمين مع الخدمات المالية اليومية.
وتعتبر GOXI Microinsurance، أول شركة متخصصة مرخصة في التأمين متناهي الصغر في نيجيريا). نجحت في تغطية أكثر من 532,000 شخص بين 2019 و2024 من خلال منتجات التأمين على الحياة والصحة. مما يعكس نمواً متسارعاً مدعوماً بالتكنولوجيا الرقمية والشراكات.
ومن أهم المنتجات في نيجيريا :
– التأمين على الحياة والصحة: يغطى التكاليف الطبية، ونفقات العلاجبأقساط منخفضة جداً تناسب الدخل اليومي.
– تأمين تكاليف الجنازات: شائع في نيجريا مثل جنوب أفريقيا، يتناسب مع التقاليد الثقافية ويوفر دعماً سريعاً للأسر.
– التأمين المدمج: دمج التأمين مع القروض الصغيرة(Microfinance)، والمدفوعات المتنقلة (Mobile Money)، أو الخدمات اليومية مثل الزراعة والتجارة الصغيرة. هذا يقلل التكاليف ويزيد الثقة.
– منتجات التأمين المخصصة النساء: مثل تغطية الأمومة والرعاية الصحية، تساعد في بناء الثقة من خلال دفعات سريعة وشفافة، مما يعزز الوصول للفئات الضعيفة في القطاع غير الرسمي. وهناك شركات مثل Nassure Microinsurance وYES Microinsurance تقدم حلولاً تأمينية متناهية الصغر.
غانا
غانا تُعد من الدول الرائدة في غرب أفريقيا في مجال التأمين متناهي الصغر، خاصة في المنتجات التأمين الزراعي وتأمين تكاليفالجنازات، على الرغم من وجود بعض التحديات في الإطار التنظيمى، وقد نجحت فى دمج التأمين مع خدمات التمويل الأصغر، مما مكّن من توسيع الوصول إلى المناطق الريفية عبر شبكات المؤسسات المالية المحلية، وأسهم ذلك في تحسين معدلات الاحتفاظ بالعملاء وتعزيز الوعي المجتمعي بالتأمين كأداة حماية فعالة.
ومن أهم المنتجات في غانا:
– التأمين الزراعي: والذى ركز على حماية المزارعين الصغار من مخاطر المناخ (جفاف، فيضانات، آفات). يتم دمجه مع قروض التمويل متناهى الصغر Microfinance Institutions – MFIs)، مما يحسن من معدلات الاحتفاظ بالعملاء ويقلل المخاطر وقد ساهم ذلكفي توسيع الوصول إلى المناطق الريفية عبر شبكات الجمعيات المحلية والـ MFIs. مؤسسات التمويل متناهى الصغر.
– تأمين تكاليف الجنازات: من أكثر المنتجات انتشاراً بسبب التقاليد الثقافية للبلاد، ويوفر تغطية سريعة لتكاليف الجنازات، مما يعزز الوعي المجتمعي بالتأمين كأداة حماية فعالة.
– الدمج مع التمويل متناهى الصغر: وجود شراكات بين شركات التأمين وMFIsمؤسسات التمويل متناهى الصغر (Partner-Agent Model) سمحت بتوزيع المنتجات عبر قنوات متنوعة. أدى ذلك إلى تحسين الاحتفاظ بالعملاء وتقليل الخسائر.
تنزانيا
شهدت تنزانيا نموًا ملحوظًا وسريعًا في سوق التأمين متناهى الصغرخاصة في منتجات التأمين على الحياة والصحة، بفضل الشراكات الرقمية القوية بين شركات التأمين والمؤسسات المالية متناهية الصغرومشغلى خدمات الهاتف المحمول. حيث استفادت الدولة بشكل كبير من البنية التحتية المتقدمة للهواتف المحمولة وخدماتMobile Money مثل M-Pesa وغيرها، مما مكّن من الوصول الفعال إلى السكان في المناطق النائية والريفية. أدى هذا النموذج إلى ارتفاع ملحوظ في معدلات الحصول على التغطيات التأمينية، حيث أصبح التأمين متاحًا عبر تطبيقات الهواتف والرسائل القصيرة بتكلفة منخفضة، مما عزز الشمول المالي وتوفير الحماية الصحية والاجتماعية لملايين الأسر.
أوغندا
تُعد أوغندا من الدول الرائدة في أفريقيا في تقديم منتجات التأمين متناهي الصغر منذ التسعينيات، حيث ركزت على نموذج دمج التأمين مع التمويل متناهى الصغر اعتمدت بشكل كبير على التعاونيات والمؤسسات المالية متناهية الصغر والتوسع في التأمين على الصحة وتأمين تكاليف الجنازات بين الأسر الريفية والمجتمعات الفقيرة.
ساهم هذا النهج المبكر في بناء قاعدة قوية للشمول المالي، حيث أصبح التأمين جزءًا متكاملاً من القروض الصغيرة، مما قلل من مخاطر عدم السداد وزاد من توفير التغطية التأمينية للعملاء لمواجهة المخاطر الصحية والوفيات.
السنغال
نجحت السنغال في التوسع في التأمين متناهى الصغر الصحي والزراعي خاصة في المناطق الريفية. اعتمدت على شراكات استراتيجية مع المنظمات غير الحكومية والجهات الدولية لتقديم منتجات ملائمة لاحتياجات المزارعين والأسر منخفضة الدخل، مثل تأمين المحاصيل ضد المخاطر المناخية والتأمين الطبي، وتعتمد هذه النماذج على تصميم منتجات بسيطة ومرنة تتناسب مع الدخل المنخفض للسكان، إلى جانب تسوية التعويضات بشكل سريع عبر قنوات الهاتف المحمول، كما ساهمت وجود شراكات بين القطاع الخاص والحكومة والمنظمات الدولية دورًا كبيراً في تقليل المخاطر وتحقيق توسع مستدام وتعزيز الوصول الشامل لسد الفجوة التأمينية.
السوق المصرى : كيف تحول التأمين متناهي الصغر من فكرة إلى ركيزة أساسية للشمول المالي
شهدت قطاع التأمين متناهى الصغر بالسوق المصري تطورات نوعية وغير مسبوقة خلال عام 2026، جعلت منها نموذجاً رائداً يُحتذى به بفضل حزمة متكاملة من التشريعات والتنظيمية في ظل صدور قانونالتأمين الموحد رقم 155 لسنة 2024، الذي وفر لأول مرة إطاراً تشريعياً متكاملاً يُنظم نشاط شركات التأمين متناهي الصغر ويسمح بتأسيسها ككيانات مستقلة . وقد عملت الهيئة العامة للرقابة الماليةعلى ترجمة هذا القانون إلى واقع تنفيذي، حيث أصدرت عده قرارات تنظيمية خلال العامين الماضيين، بهدف بناء بيئة تنظيمية مرنة تتماشى مع أفضل الممارسات العالمية وتعزز من كفاءة القطاع وجاذبيته الاستثمارية .
ومن أبرز هذه القرارات التنظيمية، إصدار القرار رقم 319 لسنة 2025، الذي وضع ضوابط شاملة لنشاط التأمين متناهي الصغر، وحدد تعريفاً دقيقاً له، وشروط مزاولته، والتزامات الشركات المرخص لها . وقد ركزت هذه الضوابط على ضمان بساطة ووضوح وثائق التأمين، ومرونة آليات تحصيل الأقساط، وسرعة صرف التعويضات، حيث أُلزمت الشركات بالبت في المطالبات خلال خمسة أيام عمل من تاريخ استيفاء المستندات، وصرف التعويض خلال يومين عمل فقط من تاريخ الموافقة . كما وسّعت الهيئة نطاق الجهات المخولة بتسويق وتوزيع هذه المنتجات رقمياً لتشمل البنوك، والبريد المصري، وشركات الاتصالات، مما يفتح آفاقاً واسعة للوصول إلى أكبر شريحة ممكنة من المستفيدين .
ولم يقتصر الدعم التنظيمي على الجانب الإجرائي، بل امتد ليشمل الجوانب المالية التي تعزز من قدرة الفئات المستهدفة على الحصول على حماية حقيقية. ففي خطوة تعكس الفهم العميق لاحتياجات السوق، أصدرت الهيئة قراراً برفع الحد الأقصى للتغطية التأمينية لنشاط التأمين متناهي الصغر إلى 390 ألف جنيه مصري ، مقارنة بما كان عليه سابقاً، وذلك بهدف توفير مظلة حماية أكثر ملاءمة لطبيعة المخاطر التي تواجه أصحاب المشروعات المتناهية الصغر والحرفيين والعاملين في القطاع غير الرسمي، ودعم استقرارهم وقدرتهم على الاستمرار في نشاطهم . وقامت الهيئة أيضاً برفع الحد الأقصى لتمويل المشروعات متناهية الصغر ليتناسب مع هذه التغطيات، مما يعزز التكامل بين التمويل والحماية التأمينية .
كما شهد عام 2026 حصول بعض شركات التأمين متناهي الصغر المتخصصة، على موافقة مبدئية من الهيئة العامة للرقابة المالية، مما يؤشر إلى توجه السوق نحو تنافسية متزايدة في هذا القطاع الحيوي.
ومازال هناك تحديات تواجه الانتشار الواسع للتأمين متناهي الصغر، يأتي في مقدمتها ضعف الوعي التأميني لدى الفئات المستهدفة، التي لا تدرك في كثير من الأحيان أهمية هذه المنتجات أو كيفية الاستفادة منها، إلا أن التوجهات الحالية، التي تركز على التحول الرقمي كأداة لخفض التكاليف وتبسيط الإجراءات، والتزام الهيئة بتطوير الأطر التنظيمية بما يتناسب مع خصوصية السوق المصري، وتزايد الشراكات بين القطاعين العام والخاص، كلها عوامل تعكسمستقبل واعد لهذا النشاط، وهو ما يعكس ثقة متزايدة في قدرة هذا القطاع على سد الفجوة التأمينية والمساهمة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة والشمول المالي في مصر.
رأي اتحاد شركات التأمين المصرية
يُثمن اتحاد شركات التأمين المصرية الجهود الرائدة التي تبذلها الدول الأفريقية الشقيقة في تطوير قطاع التأمين متناهي الصغر والذي يُعد أداة استراتيجية فعالة لتعزيز الشمول المالي وحماية الفئات محدودة الدخل والمجتمعات الريفية. فالتجارب المتميزة تبرز قدرة القارة على ابتكار حلول تأمينية مرنة ومستدامة تلبي احتياجات الفئات منخفضة الدخل، من خلال الشراكات الرقمية، والمنتجات المصممة خصيصًا للمناطق الريفية والفئات محدودة الدخل.
ويؤكد الاتحاد على أهمية تعزيز التعاون الإقليمي الوثيق، وتبادل الخبرات والتجارب الناجحة، وتعزيز الشراكات المتعددة الأطراف لتوحيد الجهود وتطوير منتجات تأمينية مبتكرة تلبي الاحتياجات المتنوعة لشعوب القارة. بما يحقق أهداف التنمية المستدامة ورؤية مصر 2030 وأجندة أفريقيا 2063.
وفي هذا الإطار، يؤكد الاتحاد أن التأمين متناهي الصغر أحد أبرز المجالات الاستراتيجية التي يدعمها الاتحاد بقوة، معتبرًا إياه أداة حيوية لتعزيز الشمول المالي وحماية الفئات محدودة الدخل في المجتمع المصري. فهو يوفر خططًا منخفضة التكلفة تشمل منتجات متنوعة مثل التأمين الطبى، والزراعي، والتأمين على الحياة، لمساعدة الأفراد والأسر على مواجهة المخاطر والظروف الطارئة.
ويشير الاتحاد إلى التطور الملحوظ الذي شهده السوق المصري في هذا المجال خلال السنوات الأخيرة، من خلال إطلاق منتجات جديدة مدعومة رقميًا، وزيادة التعاون مع شركات التكنولوجيا المالية، مما ساهم في رفع معدلات الاختراق وتعزيز الوعي المجتمعي بأهمية التأمين. ويستمر الاتحاد في دعم أعضائه لتوسيع نطاق هذه المنتجات وتطوير منتجات مبتكرة تتناسب مع الاحتياجات المحلية والاستفادة من التقنيات الرقمية لتقليل التكاليف وتسريع عمليات الاكتتاب وتسوية التعويضات، كما يدعو إلى تعزيز الشراكات بين شركات التأمين ومؤسسات التمويل متناهى الصغر والبنوك والجهات الحكومية، بما يعزز دور القطاع التأميني في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتقليل الفجوة التأمينية، ودعم الاقتصاد غير الرسمي الذي يشكل نسبة كبيرة من النشاط الاقتصادي.



