جولة في فكر وعقل د.علي الدكروري…لقراءة المستقبل

يعد د.علي الدكروري احد الطيور المهاجرة التي عادت إلى ارض الوطن للإسهام في دفع عجلة التنمية استفادة من خبراته الكبيرة في مجالات عديدة
لذلك حرصنا في موقع مؤتمر لمحاورة هذا العالم الجليل لاستشراف المستقبل وننهل من خبراته العلمية لإفادة الاجيال من شبابنا
أولًا: عن المسيرة والتحول المهني
السؤال الأول: بدأت مسيرتك بالدكتوراه في الهندسة، ثم انتقلت إلى عالم الاستثمار وتأسيس شركات عالمية مثل CTrustGlobal. كيف أثرت الخلفية الهندسية على طريقة إدارتك للشركات واتخاذ القرارات الاستثمارية؟
الخلفية الهندسية لم تمنحني تخصصًا أكاديميًا فقط، بل منحتني منهجًا في التفكير. علمتني كيفية تحليل المشكلات المعقدة، ودراسة المتغيرات، وقياس المخاطر، وتحويل الأفكار إلى خطط قابلة للتنفيذ.
وقد انعكس ذلك بوضوح على طريقة إدارتي للشركات واتخاذ القرارات الاستثمارية. فأنا لا أعتمد على الحدس وحده، ولا أنظر إلى الأرقام بمعزل عن الواقع، بل أدرس السوق والتوقيت والمخاطر والفريق القادر على التنفيذ، ثم أبني القرار على مجموعة متكاملة من المعطيات.
الهندسة علمتني أيضًا أن أي مشروع قوي يحتاج إلى أساس متين، ولذلك أهتم ببناء النظام الإداري والمالي والتشغيلي قبل التوسع. لأن النمو السريع من دون بنية قوية قد يتحول من فرصة إلى عبء.
⸻
السؤال الثاني: كيف تمكنت من التحول من رجل أعمال محلي إلى التوسع في قطاعات مختلفة بدول الخليج وأوروبا وأمريكا الشمالية؟ وما أكبر تحدٍ واجهك خلال هذا التوسع؟
التوسع العالمي لم يكن خطوة مفاجئة، بل جاء نتيجة تراكم الخبرة وبناء العلاقات وفهم الأسواق على مدار سنوات طويلة. بدأت من قاعدة محلية، ثم عملت على تطوير نموذج عمل يمكن تطبيقه في أسواق متعددة، مع تكييفه وفقًا لقوانين كل دولة وثقافتها واحتياجات عملائها.
فأسواق الخليج تتميز بالسرعة والطموح والقدرة على اتخاذ قرارات كبيرة، بينما تعتمد الأسواق الأوروبية بدرجة أكبر على التفاصيل التنظيمية، وتمتاز أمريكا الشمالية بقوة المؤسسات ووضوح الإجراءات والمنافسة المرتفعة.
أما أكبر تحدٍ فكان اختلاف الثقافة وطريقة ممارسة الأعمال من سوق إلى آخر. وقد تعلمت أن التوسع لا يعني نقل الشركة نفسها إلى دولة جديدة، بل إعادة تصميم طريقة عملها بما يتناسب مع السوق الجديد، مع الحفاظ على قيمها وهويتها الأساسية.
⸻
ثانيًا: في مجال الاستثمار والمواطنة العالمية
السؤال الثالث: تُعد من أبرز المتخصصين والمعتمدين في برامج المواطنة والجنسية الثانية عبر الاستثمار. كيف ترى مستقبل هذا القطاع في ظل المتغيرات الجيوسياسية والاقتصادية الحالية؟
أرى أن قطاع المواطنة والإقامة عن طريق الاستثمار لن يختفي، لكنه يمر بمرحلة إعادة تنظيم عميقة. المستقبل سيكون للبرامج الأكثر شفافية، والتي تطبق معايير قوية في التحقق الأمني، ومصدر الأموال، والامتثال للقواعد الدولية.
لم تعد الجنسية أو الإقامة الثانية مجرد وسيلة لتسهيل السفر، بل أصبحت جزءًا من التخطيط الاستراتيجي للعائلات ورجال الأعمال، بما توفره من خيارات في إدارة المخاطر، وحماية الأسرة، وتوسيع الأعمال، وتنويع الاستثمارات، والوصول إلى فرص أفضل في التعليم والرعاية الصحية.
الضغوط والتغيرات الحالية ستجعل السوق أكثر انتقائية وتنظيمًا، وسيكون المستقبل للشركات المهنية التي تقدم استشارة متكاملة، وتضع مصلحة العميل والامتثال القانوني والسمعة قبل سرعة إتمام المعاملة.
⸻
السؤال الرابع: ما أهم المعايير التي تنصح بها رجال الأعمال والمستثمرين عند التفكير في الحصول على جنسية ثانية أو التوسع باستثماراتهم خارج بلدانهم؟
أول ما أنصح به هو تحديد الهدف الحقيقي من هذه الخطوة. هل الهدف حرية التنقل، أم حماية الأسرة، أم تعليم الأبناء، أم التوسع التجاري، أم تنويع الاستثمارات، أم التخطيط لانتقال الثروة بين الأجيال؟
بعد تحديد الهدف، يجب دراسة الاستقرار السياسي والاقتصادي للدولة، ووضوح قوانينها، وقوة البرنامج واستدامته، والآثار الضريبية والمصرفية، وحقوق أفراد الأسرة، ومدى سهولة التخارج من الاستثمار مستقبلًا.
ومن أكبر الأخطاء اختيار البرنامج الأقل تكلفة أو الأسرع تنفيذًا من دون دراسة قيمته على المدى البعيد. الجنسية الثانية قرار استراتيجي وليست عملية شراء عادية. والقرار الصحيح ليس الذي يمنح المستثمر وثيقة إضافية فقط، بل الذي يضيف إلى حياته وأسرته وأعماله خيارات حقيقية وآمنة.
⸻
ثالثًا: عن الكتاب والرؤية الفكرية
السؤال الخامس: في كتابك «كيف تحصل على الحرية التي تستحقها»، ركزت على مفهوم الحرية المالية والمكانية. ما الخطوة الأولى التي يجب أن يتخذها أي شخص يسعى إلى تحقيق هذه الحرية؟
الخطوة الأولى هي أن يحدد الإنسان معنى الحرية بالنسبة إليه. فالبعض يراها في الاستقلال المالي، والبعض في القدرة على اختيار مكان الإقامة والعمل، والبعض الآخر في امتلاك الوقت أو تأمين مستقبل الأسرة.
بعد ذلك يجب أن تكون هناك مصارحة حقيقية مع النفس: ما حجم دخلي والتزاماتي؟ وما المهارات التي أمتلكها؟ وإلى أي مدى يعتمد مستقبلي على مصدر دخل واحد أو وظيفة واحدة أو دولة واحدة؟
الحرية لا تبدأ بكثرة المال، بل ببناء القدرة على الاختيار. وقد تبدأ بتطوير مهارة مطلوبة، أو تأسيس مصدر دخل إضافي، أو امتلاك أصل منتج، أو تخفيض الالتزامات غير الضرورية. المال وسيلة مهمة، لكن الحرية الحقيقية هي أن تمتلك بدائل، وألا تكون مضطرًا لقبول كل ما يُفرض عليك.
⸻
السؤال السادس: تستثمر في مجالات متنوعة مثل التجارة والمقاولات والتعليم والإعلام. كيف توازن بين إدارة هذه القطاعات المختلفة من حيث طبيعة العمل والمخاطر؟
لا أحاول إدارة جميع التفاصيل بنفسي، لأن هذا الأسلوب يضع حدودًا لنمو أي مؤسسة. دوري الأساسي هو وضع الرؤية، واختيار القيادات المناسبة، وتوزيع رأس المال، وتحديد معايير الأداء، ومتابعة القرارات الاستراتيجية.
لكل قطاع فريق متخصص ومؤشرات أداء واضحة، ولكن هناك مبادئ مشتركة تحكم جميع أعمالنا، أهمها الانضباط المالي، وجودة الخدمة، والحوكمة، وبناء الثقة مع العملاء والشركاء.
كما أن التنوع بالنسبة لي ليس توزيعًا عشوائيًا للاستثمارات، بل يجب أن تكون هناك علاقة منطقية أو فرصة للتكامل بين القطاعات. التنوع المدروس يقلل المخاطر ويفتح مصادر متعددة للنمو، أما الدخول في مجالات مختلفة لمجرد انتشارها فقد يؤدي إلى تشتيت الإدارة ورأس المال.
⸻
رابعًا: القيادة وبناء المستقبل
السؤال السابع: تعاملت مع أسواق مختلفة ومتنوعة. ما الاستراتيجية التي تعتمد عليها للحفاظ على استقرار واستدامة أعمالك أثناء الأزمات الاقتصادية العالمية؟
أركز أثناء الأزمات على ثلاثة أمور رئيسية: حماية السيولة، والحفاظ على النشاط الأساسي، والاستعداد لعدة سيناريوهات بدلًا من الاعتماد على توقع واحد.
أراجع الالتزامات ومستويات الاقتراض والمصروفات، لكنني لا أتعامل مع خفض التكاليف باعتباره الحل الوحيد. فهناك فرق بين التخلص من الإنفاق غير الضروري وبين إضعاف الشركة أو خسارة أفضل الكفاءات والتأثير في جودة الخدمة.
كما أحرص على تنويع الأسواق ومصادر الدخل، وعدم الاعتماد الكامل على قطاع أو دولة واحدة. وفي الوقت نفسه، نحافظ على التواصل الواضح مع الموظفين والعملاء والشركاء، لأن الثقة خلال الأزمات تمثل رأس مال حقيقيًا.
الأزمات ليست وقتًا للذعر أو التوقف الكامل، بل فرصة لإعادة ترتيب الأولويات واكتشاف فرص جديدة بقرارات هادئة ومحسوبة.
⸻
السؤال الثامن: بحكم دخولك قطاع التعليم، كيف ترى شكل المهارات التي يحتاجها جيل الشباب القادم ليكون قادرًا على المنافسة في سوق العمل العالمي؟
المستقبل لن يكون لمن يحفظ أكبر قدر من المعلومات، بل لمن يستطيع التعلم المستمر، وتحليل المعلومات، والتكيف مع المتغيرات، وتحويل المعرفة إلى حلول عملية.
يحتاج الشباب إلى التفكير النقدي، والقدرة على التواصل والعمل الجماعي، وإتقان التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات. كما يحتاجون إلى الثقافة المالية وفهم مبادئ ريادة الأعمال، حتى لو اختاروا العمل داخل مؤسسة ولم يؤسسوا مشروعاتهم الخاصة.
ومن الضروري أيضًا إتقان اللغات وفهم الثقافات المختلفة، لأن سوق العمل أصبح عالميًا. لكن المهارات التقنية وحدها لا تكفي، فالأمانة والانضباط وتحمل المسؤولية واحترام الوقت ستظل عناصر أساسية للنجاح. التعليم الحقيقي يجب أن يبني شخصية قادرة على التفكير وصناعة القرار، لا أن يكتفي بمنح الطالب شهادة.
⸻
خامسًا: أسئلة شخصية وملهمة
السؤال التاسع: تمتلك حضورًا قويًا ومتابعة واسعة على منصات التواصل الاجتماعي. كيف يستفيد رجل الأعمال العصري من الإعلام الرقمي لخدمة مشاريعه؟
الإعلام الرقمي يمنح رجل الأعمال فرصة لبناء علاقة مباشرة مع الجمهور، وعرض أفكاره وقيمه وخبراته من دون وسيط. لكن الاستفادة الحقيقية منه تحتاج إلى وضوح واستمرارية ومصداقية.
العلامة الشخصية لا تعني استعراض النجاح أو تحويل كل ظهور إلى إعلان. هي الصورة الذهنية التي تتكون لدى الناس من خلال ما يقوله رجل الأعمال وما يفعله ومدى التزامه بوعوده. لذلك يجب أن يقدم المحتوى معرفة أو خبرة أو رسالة حقيقية تعكس شخصية صاحبه.
ومع ذلك، يجب ألا نخلط بين كثرة المتابعين ونجاح الأعمال. الإعلام قد يفتح الباب ويعزز الثقة، لكن جودة المنتج واحترام العميل والنتائج الفعلية هي التي تحافظ على هذه الثقة. العلامة الشخصية القوية تدعم المشروع، ولكن المشروع الضعيف قد يهدمها سريعًا.
⸻
السؤال العاشر: ما النصيحة الذهبية التي توجهها إلى الشباب العربي وطامحي ريادة الأعمال الذين يحلمون بالوصول إلى العالمية؟
نصيحتي لهم هي: لا تبدأوا بالسؤال عن المال أو الشهرة أو المسمى الوظيفي، بل ابدأوا بمشكلة حقيقية تستطيعون تقديم حل أفضل لها.
لا تنتظروا الظروف المثالية، لأنها غالبًا لا تأتي. ابدأوا بما تملكون، وتعلموا من السوق، وطوّروا مهاراتكم، وابنوا سمعتكم خطوة بعد خطوة. النجاح لا يحتاج فقط إلى فكرة جيدة، بل يحتاج إلى الانضباط والصبر والقدرة على الاستمرار بعد الأخطاء والرفض.
ابدأوا محليًا، ولكن اعملوا بمعايير عالمية. فالعالمية لا تعني امتلاك مكاتب في عدة دول، بل أن يكون ما تقدمونه قادرًا على المنافسة في أي سوق.
وأقول لكل شاب: ابنِ نفسك أولًا، لأن أقوى استثمار يمكن أن تبدأ به هو الاستثمار في معرفتك وشخصيتك وسمعتك. فالمال قد يفتح بعض الأبواب، لكن الكفاءة والثقة هما ما يبقيانها مفتوحة.



