تمويل

الذكاء الاصطناعي لاعب أساسي في تغيير مستقبل إعادة التأمين

يُعدّ الذكاء الاصطناعي أحد أكثر الموضوعات محلّ نقاش في مختلف القطاعات الاقتصادية، نظرًا لما يحمله من إمكانات كبيرة لإعادة تشكيل نماذج الأعمال وتحسين الكفاءة التشغيلية. وعلى الرغم من وضوح هذه الإمكانات، فإن قطاع إعادة التأمين – الذي يتسم تاريخيًا بالتحفّظ وارتفاع مستوى تجنّب المخاطر – كان أقل سرعة في تبنّي التقنيات الحديثة، بما في ذلك تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

ويؤثر الذكاء الاصطناعي في قطاع إعادة التأمين عبر عدة محاور رئيسية، من بينها تحسين عمليات تقييم المخاطر وتحليل المطالبات وتطوير نماذج التسعير وذلك بهدف رفع الكفاءة التشغيلية وتعزيز الربحية. إلا أن الطبيعة شديدة التنظيم لصناعة إعادة التأمين، إلى جانب ثقافات الشركات التي تميل إلى تجنّب المخاطر، تزيد من تعقيد عملية تبنّي هذه التقنيات. كما أن العديد من المؤسسات لا تزال تفتقر إلى فهم واضح للفوائد المحتملة للذكاء الاصطناعي، فضلًا عن المخاطر المترتبة على استخدامه ومتطلبات الأمن السيبراني اللازمة، وهو ما يؤدي إلى حالة من التردد في تبنّي هذا التحول.

mostbet

وعلى الرغم من هذه العوائق، فإن صعود التقنيات الرقمية يُحدث تطوراً واضحاً في النماذج التقليدية لإعادة التأمين، بما يحمله ذلك من فرص وتحديات في آنٍ واحد. ويتمثل التحدي الأساسي أمام الاستفادة الكاملة من الذكاء الاصطناعي ليس في التكنولوجيا ذاتها، بل في توافر الخبرة والقدرات المؤسسية اللازمة. إذ تتطلب أنظمة الذكاء الاصطناعي والتعلّم الآلي كميات هائلة من البيانات عالية الجودة لكي تتمكن من التعلّم المستمر وتحسين أدائها.

وقد بدأ سوق اللويدز، المعروف منذ فترة طويلة بعملياته التقليدية التي تعتمد على الأشخاص والأوراق، مؤخرًا في تحويل رقمي تدريجي لعمليات التأمين/ إعادة التأمين، مما يسلط الضوء على تحول أوسع نطاقًا داخل الصناعة. يمكن للأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي أن تعزز الإنتاجية والدقة بشكل كبير من خلال قدرتها على تحليل كميات ضخمة من البيانات بكفاءة وسرعة.

ومن الجدير بالذكر أن إحدى الدراسات الاستقصائية التي أجرتها شركة ماكينزي مؤخرًا على قادة أكبر شركات التأمين وإعادة التأمين الأوروبية أظهرت أن أكثر من نصف المشاركين في الاستقصاءيعتقدون أن الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI) يمكن أن يسهم في تحسين الإنتاجية بنسبة تتراوح بين 10% و20%، إلى جانب تحقيق زيادة تتراوح بين 1.5 و3 % في نمو الأقساط والنتائج الفنية.

وفي مجال إدارة المطالبات، يشير تحليل حديث إلى أن اعتماد الذكاء الاصطناعي التوليدي يمكن أن يؤدي إلى خفض مدفوعات المطالبات بنسبة تتراوح بين 3% و4%، وذلك من خلال تحسين دقة تقييم الأضرار وتعزيز قدرات الكشف عن الاحتيال. بالإضافة إلى ذلك، يتمتع الذكاء الاصطناعي بالقدرة على خفض نفقات تسوية الخسائر بنسبة تصل إلى 20%–30%، بما يحقق وفورات كبيرة في التكاليف ويعزز الكفاءة التشغيلية. وعلى الرغم من أن هذه الإحصاءات تتعلق بصناعة التأمين المباشر بشكل أساسي، فإنه من المتوقع تحقيق فوائد تحويلية مماثلة في قطاع إعادة التأمين أيضًا.

انعكاس الذكاء الاصطناعي في مجالات إعادة التأمين :

تقييم المخاطر

تعمل قدرة الذكاء الاصطناعي على تحليل مجموعات البيانات الضخمة على تحسين دقة الاكتتاب، مما يمكّن شركات إعادة التأمين من تحديد المخاطر الناشئة وتحسين استراتيجيات التسعير والتنبؤ بشكل أفضل بالأحداث الكارثية. وهذا أمر مهم بشكل خاص في عصر تتسم فيه المخاطر بالتقلب بسبب تغير المناخ.

إنشاء نماذج اكتتاب متطورة قائمة على البيانات

يستخدم الاكتتاب المدعوم بالذكاء الاصطناعي بيانات منظمة وغير منظمة من مصادر متنوعة — نماذج الطقس وصور الأقمار الصناعية وبيانات أجهزة الاستشعار وآراء وسائل التواصل الاجتماعي، وغيرها — لتقييم المخاطر بطرق لا تستطيع النماذج التقليدية القيام بها.

على سبيل المثال، يمكن لنماذج التعلم الآلي تحديد علاقات الترابط بين الخسائر داخل محفظة شركة التأمين، مما يتيح اختيارًا أفضل للمخاطر وشروط إعادة تأمين أكثر تخصيصًا. كما يعزز الذكاء الاصطناعي الكفاءة ويقلل من وقت الاكتتاب ويحسن دقة اتخاذ القرار.

تحسين المحفظة وتخصيص رأس المال

لا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على تحسين تسعير العقود الفردية فحسب، بل إنه يعزز الربحية وكفاءة رأس المال على مستوى المحفظة بأكملها. من خلال التعلم المعزز والمحاكاة المتقدمة، يمكن لشركات إعادة التأمين تحسين محفظتها التجارية بالكامل من خلال تقييم مدى تأثير إضافة أو حذف اتفاقية معينة على كفاية رأس المال ونسب الملاءة المالية والعائد المتوقع.  يصبح تطبيق الذكاء الاصطناعي أمرًا بالغ الأهمية مع تشديد متطلبات رأس المال التنظيمي وتدقيق وكالات التصنيف في الأطراف المقابلة لإعادة التأمين.

التسعير

تقوم بعض شركات إعادة التأمين بتجربة نماذج تسعير سلوكية، تستخدم الذكاء الاصطناعي لتتبع المخاطر في الوقت الفعلي واتجاهات الخسائر، مما يسمح بإعادة التسعير الديناميكي أو تعديل عقود إعادة التأمين. هذه النماذج واعدة بشكل خاص للمخاطر الالكترونية والطيران والمخاطر البحرية – وهي قطاعات تتميز بتغيرات سريعة في المخاطر.

ذلك بجانب توقع الخسائر باستخدام البيانات السابقة وكذلك اتجاهات السوق الحالية وبيانات الطقس والموقع والموسمية مما يتيح تسعيرًا أكثر دقة.

الكشف المتقدم عن الاحتيال

تتمكن نماذج التعلم الآلي من الكشف عن الحالات الغريبة والأنماط الاحتيالية في بيانات المطالبات، مما يوفّر لشركات إعادة التأمين حماية قوية ضد أساليب الاحتيال سواء الإلكترونية أو اليدوية المتطورة باستمرار.

زيادة الكفاءة التشغيلية

تعمل الأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي على تحسين العمليات، مما يسمح للموظفين بالتركيز على النمو الاستراتيجي بدلاً من المهام اليدوية.

معالجة المطالبات

تعمل التكنولوجيا المدعومة بالذكاء الاصطناعي على تسريع معالجة المطالبات من خلال تقييم الأضرار وكشف الاحتيال وتقليل أخطاء المعالجة. وهذا يعزز رضا العملاء مع خفض التكاليف بشكل كبير.

كيف يُعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل اكتتاب إعادةالتأمين نحو الأفضل

من خلال تحرير مكتتبي التأمين من المهام المتكررة وتعزيز قدراتهم على اتخاذ القرارات، يولّد الذكاء الاصطناعي مزايا استراتيجية وتنافسية لشركات إعادة التأمين.

تتوسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجال إعادة التأمين من الأمور الروتينية إلى الأمور المعقدة، فقد بدأ الذكاء الاصطناعي يُحقق فوائد جمة لشركات إعادة التأمين، ، إذ يُعظّم المعلومات المتاحة لها ويُحسّنها ويُحللها، مما يُتيح لها اتخاذ قرارات أفضل في اختيار المخاطر وتسعيرها. وذلك من خلال:

1. جمع البيانات وتفسيرها واستيعابها
تُعدّ زيادة كمية المعلومات اللازمة لتقييم المخاطر واختيارها وتسعيرها بدقة مشكلةً رئيسيةً في مجال إعادة التأمين. فنجاح شركات إعادة التأمين بات يعتمد بشكل متزايد ليس فقط على جودة مكتتبيها، بل أيضاً على البيانات المتاحة لاتخاذ قرارات الاكتتاب. ومع ذلك، لا يستطيع أي مكتتب بشري معالجة وتصفية هذا الكم الهائل من البيانات اللازمة للحفاظ على القدرة التنافسية بالاعتماد على قدراته العقلية فقط.

و يستفيد مكتتبو إعادة التأمين اليوم من مجموعة متزايدة باستمرار من البيانات الداخلية وبيانات الأطراف الثالثة والبيانات العامة لاكتساب فهم شامل للمحافظ والمخاطر الأساسية، والتي يكون الكثير منها بتنسيقات غير منظمة مثل رسائل البريد الإلكتروني وملفات PDF والصور.

لا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على “قراءة” كميات هائلة من المعلومات التي قد تستغرق أيامًا أو أسابيع من فريق من خبراء التأمين البشريين، بل يتعداه إلى فهمها بطريقة تعجز عنها تقنيات المعلومات التقليدية. وتوجد بالفعل حلول قادرة على تلخيص المستندات أو البحث عن بنود متشابهة في العقود. ويستطيع الذكاء الاصطناعي فهم ليس المعلومات الموجودة في ملف PDF، والسياق الذي تُستخدم فيه الكلمات. على سبيل المثال، يمكن أن يساعد اكتشاف العلاقات المكانية بين الكلمات والجداول وغيرها من أشكال البيانات في تحديد نوع المستند واستخراج المعلومات الأكثر صلة.

وبإمكان شركات إعادة التأمين استخدام هذا النوع من الأدوات لقراءة العديد من طلبات الوسطاء واستخلاص المعلومات ذات الصلة من مصادر متنوعة. ويمكن بعد ذلك إدخال البيانات المستخلصة في الأنظمة لإنشاء الطلبات، وتقييمها، والمساعدة في إعداد عروض الأسعار. وباستخدام هذه البيانات، تستطيع شركة إعادة التأمين أيضاً تحديد أي مؤشرات سلبية محتملة تتعلق بالصياغة، والبنود، ومستوى تقبّل المخاطر، وترقية أو تخفيض المخاطر الموكلة إلى شركات التأمين بناءً على مدى ملاءمتها وجاذبيتها.

ويشبه الأمر إلى حد ما وجود مساعد اكتتاب متفانٍ للغاية للمساعدة في تسريع عملية سير عمل الاكتتاب من خلال تحديد البيانات المراد إدخالها واستخدامها، والأهم من ذلك تحليلها.

2. التحليل المتعمق

إلى جانب جمع البيانات وتفسيرها، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد شركات إعادة التأمين على قراءة ما بين السطور والتعرف على الاتجاهات في مجموعات البيانات المعقدة والمتعددة الأوجه لتقديم رؤى تغير قواعد اللعبة.

تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي بالفعل لتحليل النصوص واستنتاج المشاعر في رسائل البريد الإلكتروني والمستندات والرسائل النصية. كما يمكنها رصد الاتجاهات في الصور أو مقاطع الفيديو لتسليط الضوء على التغييرات (مثل الأضرار).

يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لفحص آلاف العقود وسجلات الأمن والسلامة لكل أصل تملكه شركة معينة، وتكوين صورة شاملة لنهجها في مجال السلامة، ودمج ذلك مع متغيرات أخرى قد تؤثر على جاذبية المخاطرة. ثم تُضغط النتائج وتُعرض في صيغة سهلة الفهم، مثل مؤشر بسيط للمخاطر، مما يساعد مكتتب التأمين على اتخاذ قرار بشأن ما إذا كانت هذه الأصول تمثل مخاطرة جيدة.

سيُمكّن تبني هذه التقنية شركات إعادة التأمين من إجراء تحليل معمق، لا يقتصر على دراسة المخاطر الرئيسية في محفظة شركة التأمين الأساسية كما كان في السابق، بل يتجاوز ذلك إلى دراسة مئات المخاطر والأصول في المحفظة على مدى فترة زمنية أطول، مع التركيز على الخصائص التي تسعى الشركة إلى تجنبها. وكان هذا النطاق الواسع والعمق في رؤية المحافظ الأساسية يستغرق وقتاً طويلاً للغاية في السابق.

وقد بدأت هذه الأدوات تُطبّق اليوم في فئات الأعمال التجارية المعقدة، وستتوفر البيانات التي تحللها لشركات التأمين بشكل متزايد في الوقت الفعلي. لقد قطعنا شوطًا طويلًا منذ تعديل أقساط التأمين على السيارات تلقائيًا بناءً على عدد قليل من المتغيرات العامة مثل العمر والجنس.

3. اتخاذ القرارات الذكية

تتمثل الخطوة التالية في ثورة الذكاء الاصطناعي في تسخير التعلم الآلي (ML) لإجراء التنبؤات واتخاذ القرارات بناءً على خبرة شركة إعادة التأمين والسياق الأوسع لنموذج أعمالها ورغباتها، وسوق (إعادة) التأمين والعالم الأوسع.

يمكن لخوارزمية التعلم الآلي، على سبيل المثال، مقارنة طلب التأمين المقدم بمخاطر أخرى في محفظة معيد التأمين، وتلك التي قُبلت أو رُفضت سابقًا، وذلك للوصول إلى استنتاج ذكي حول ما إذا كان هذا النوع من المخاطر هو ما يرغب معيد التأمين في تغطيته. وكلما زادت البيانات المُدخلة إلى النظام، زادت دقة تنبؤاته.

في غضون ذلك، تدفع اتجاهات مثل تغير المناخ، ومخاطر الأمن السيبراني، والتضخم الاجتماعي، أنماط الخسائر إلى آفاق غير مسبوقة. وتواجه النماذج القائمة على البيانات التاريخية تحديات متزايدة، ونحن نجمع اليوم بيانات لن تتضح أهميتها إلا مع تطور النماذج. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعدنا في دراسة وتوقع العوامل المؤثرة في ربحية اتفاقيات إعادة التأمين بشكل أسرع بكثير مما يستطيع فريق من مكتتبي التأمين القيام به.

تأثير الذكاء الاصطناعي علي العلاقة بين شركات التأمين وإعادة التأمين

يسهم الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل العلاقة التقليدية بين شركات التأمين المباشر ومعيدي التأمين، بحيث تنتقل من كونها علاقة تقتصر في جوهرها على نقل المخاطر إلى شراكة استراتيجية تقوم على تبادل البيانات والتحليلات والرؤى المعمّقة.

وتشير تقارير صادرة عن اللويدز إلى أن معيدي التأمين الذين يستثمرون في التحليلات المتقدمة باتوا قادرين على تقديم قيمة مضافة تتجاوز مجرد توفير السعة التأمينية، لتشمل دعم شركات التأمين في تحسين نماذج الاكتتاب وتعزيز فهمها للتعرضات الكلية للمخاطر والمساهمة في تطوير منتجات تأمينية أكثر توافقًا مع احتياجات الأسواق المختلفة.

كما تسهم مشاركة النماذج التحليلية والسيناريوهات المدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي في تسريع المفاوضات المتعلقة بشروط إعادة التأمين، والحد من الخلافات المرتبطة بتقييم المخاطر والخسائر، بما يعزز مستويات الشفافية والثقة المتبادلة بين الأطراف.

ويجعل هذا التحول من الذكاء الاصطناعي أداة استراتيجية محورية في قطاع إعادة التأمين، ليس فقط كوسيلة داخلية لتحسين الكفاءة التشغيلية، بل كعنصر أساسي في بناء علاقات طويلة الأجل قائمة على الشراكة وتبادل المعرفة.

التحديات التي تواجه تطبيق الذكاء الاصطناعي في مجالات إعادة التأمين :

على الرغم من أن إمكانات الذكاء الاصطناعي في مجال إعادة التأمين واضحة، إلا أن هناك بعض التحديات التي لا تزال قائمة، أهمها:

جودة البيانات :

يعتمد الذكاء الاصطناعي بشكل أساسي على البيانات الدقيقة والمكتملة لإنشاء نماذج فعّالة. لكن بعض الدراسات تشير إلى أن العديد من البيانات غير مصمَّمة لمعالجة الذكاء الاصطناعي وطرق تخزينها وتنظيمها الحالية لا تدعم الاستخدام الفعّال لهذه التكنولوجيا.

تعقيد التكامل

لا يُعد دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي ضمن البنى التحتية التقنية القائمة أمرًا يسيرًا في جميع الحالات، إذ إن الأنظمة الحالية لا تتيح دائمًا نشر حلول الذكاء الاصطناعي بصورة سلسة ومتكاملة. ويتطلب هذا الدمج تخطيطًا دقيقًا للمشروعات، حيث يمثل إدخال أدوات وتقنيات جديدة في كثير من الأحيان نقطة انطلاق لمشروعات واسعة النطاق، وما يصاحبها من استثمارات مالية وتكاليف تشغيلية مرتفعة.

التدريب وتوفير الكفاءات البشرية

يظهر تحدٍ جديد وهو إنشاء برامج تدريبية تمكن الموظفين من استخدام هذه الأداة على النحو الأمثل. يجب تدريب الموظفين على استخدام التقنيات، وكذلك على معالجة البيانات وتحليلها لتحقيق قيمة مضافة حقيقية وكسب كفاءة على المدى الطويل. حيث انه لا يزال جذب خبراء البيانات الذين يفهمون كل من التأمين والتعلم الآلي يمثل عقبة، خاصة بالنسبة للشركات الصغيرة.

أمن البيانات وسريتها

يُعد فهم اللوائح المحلية والدولية المنظمة لاستخدام الذكاء الاصطناعي والالتزام بها أمرًا بالغ الأهمية لتجنب المخاطر التنظيمية والعقوبات المحتملة. وفي هذا السياق، تثار تساؤلات متزايدة من قبل بعض الأطراف حول مستوى أمن وسرية البيانات التي تعتمد عليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي في السوق.

وفي الواقع، قد تؤثر المنافسة الاقتصادية بين القوى العالمية الكبرى على آليات جمع البيانات واستخدامها. فعلى سبيل المثال، تخضع الشركات الأمريكية لقانون Cloud Act، وهو تشريع يتيح للسلطات الأمريكية الوصول إلى البيانات المخزنة لدى الشركات الأمريكية، حتى وإن كانت هذه البيانات محفوظة خارج حدود الولايات المتحدة. ويثير هذا الأمر مخاوف لدى شركات إعادة التأمين العاملة على المستوى الدولي، والتي يتعين عليها ضمان حماية بياناتها الحساسة وعدم إتاحتها لمنافسين أو جهات قد تسعى إلى تفضيل شركات محلية.

وقد تؤدي التحديات المرتبطة بإدارة سرية البيانات والحماية من مخاطر التجسس الاقتصادي إلى تقييد استخدام الذكاء الاصطناعي في بعض الحالات. ومع ذلك، ورغم التعقيدات التي تفرضها الاضطرابات التكنولوجية الراهنة، فإن التحديات المرتبطة بتطبيق الذكاء الاصطناعي لا تُعد مستعصية. فمن خلال التخطيط الاستراتيجي السليم والاستثمارات المدروسة، يمكن للشركات تجاوز هذه التحديات تدريجيًا والاستفادة من إمكانات الذكاء الاصطناعي على نحو آمن ومستدام.

تأثير الذكاء الاصطناعي علي إعادة تأمين الكوارث الطبيعية

تواجه شركات إعادة التأمين ضغوطًا كبيرة فيما يخص الكوارث الطبيعية. و3تتولى شركات إعادة التأمين مسؤولية معالجة كميات كبيرة من بيانات المطالبات المجمعة المقدمة من عدة شركات تأمين.غالبًا ما تصل هذه التقارير بتنسيقات غير متسقة وفي أوقات مختلفة، وغالبًا ما تفتقد إلى بيانات مهمة.

وتشعر شركات إعادة التأمين بأثر خسائر الكوارث الطبيعية بشكل حاد. فوفقًا لتقرير Sigma الصادر عن شركة Swiss Re في ديسمبر 2025 بلغ إجمالي الخسائر المؤمنة عالميًا من الكوارث الطبيعية 107 مليار دولار في عام 2025، ويمثل عام 2025 العام السادس الذي تتجاوز فيه خسائر الكوارث الطبيعية المؤمن عليها 100 مليار دولار أمريكي.

هذا الارتفاع في نشاط المطالبات يخلق الكثير من الضغوط التشغيلية بالنسبة لشركات إعادة التأمين، تتمثل في:

وصول آلاف من تقارير الخسائر من عدة شركات تأمين في وقت واحد، كل منها بتنسيقات ومستويات تفصيل مختلفة.
شروط معقدة لاتفاقيات إعادة التأمين، كل منها يتطلب تحققًا وتوثيقًا مختلفين.
غالبًا ما تكون التفاصيل الأساسية مثل تواريخ الخسارة والمخاطر المالية وشروط الوثيقة والوثائق الداعمة مفقودة أو متأخرة.

تعتمد مطالبات إعادة التأمين في كثير من الأحيان على مدخلات يدوية وملفات غير مترابطة ووسائل اتصالات غير موحدة. فعادةً ما يُخطر معيدي التأمين عن التعويض عبر جداول بيانات وملفات PDF ورسائل بريد إلكتروني منفصلة دون أي هيكل منظم أو تنسيق موحد. ونتيجة لذلك، يضطر المحللون والمُقيّمون إلى إضاعة وقت طويل في إعادة تنسيق البيانات وتفسيرها بدلًا من تحليلها. كما تتوزع المستندات والاتصالات وشروط الاتفاقيات عبر أنظمة مختلفة، مما يزيد التعقيد ويؤخر اتخاذ القرار. ولا تنشأ هذه التأخيرات بسبب نقص الخبرة، بل بسبب فوضى البيانات وعدم اتساقها. وينعكس ذلك سلبًا في صورة نزاعات وتأخير سداد المطالبات وارتفاع مخاطرالتدقيق في الوقت الذي تكون فيه السرعة والدقة أمرين حاسمين.

رأي اتحاد شركات التأمين المصرية

إنّ العائق الرئيسي أمام وصول صناعة إعادة التأمين إلى مستوى أعمق من التحليل المدعوم بالذكاء الاصطناعي هو الخبرة، وليس التكنولوجيا. فالخوارزميات والتكنولوجيا موجودة بالفعل، ولكن لكي يتحقق تعلم الآلة ويتطور، فإنه يعتمد على تلقي كميات هائلة من المعلومات على مدار الوقت، ونحن ما زلنا في بداية تزويد هذه النماذج بالمعلومات. كما يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى دعم مستمر، ومن يتبعه دون تفكير سيواجه في النهاية سيناريو لا يعمل فيه الذكاء الاصطناعي.

لا تقتصر هذه الخبرة الصناعية على التدريب على كميات هائلة من البيانات فحسب، بل تشمل فهم النتائج والتأكد من موثوقية البيانات المُدخلة والمخرجات. ومن المهم التمييز بين الجيد والسيئ وتقديم ملاحظات بناءة لضمان ثقة أكبر في مخرجات التعلم الآلي مستقبلاً. هذا، بالإضافة إلى أن تتبع مسار تطور النماذج، يُسهم في فهم أعمق لكيفية تطورها بمرور الوقت، ويُعزز قدرات العاملين في هذا المجال في عملهم وقراراتهم.

بالنسبة للشركات التي تتطلع إلى اكتساب ميزة تنافسية من خلال الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، من المهم أن يتوفر لديها نظام بيئي (تكنولوجيا وأفراد)، والأهم من ذلك منصة أساسية، يمكنها استيعاب هذه التكنولوجيا واستكمالها والاستفادة من المعلومات المعروضة.

هذه ليست رؤية لإعادة التأمين بعد خمس أو عشر سنوات؛ فأكبر شركات إعادة التأمين في العالم، بما تملكه من بيانات هائلة وقدرات تحليلية وفرق من علماء البيانات، تعمل بالفعل على بناء نماذج مصممة للاستفادة القصوى من هذه الأدوات. كما أن قدرات جمع البيانات وتحليل الاتجاهات تُطبَّق بالفعل في فئات إعادة التأمين المعقدة.

إن  ثورة الذكاء الاصطناعي مستمرة، والفجوة التنافسية بين من يتبنونها ومن لا يتبنونها ستتسع بسرعة. لذا، يجب على شركات إعادة التأمين التفكير جدياً في تبني هذه التقنية الآن لمواكبة التطورات والحفاظ على قدرتها التنافسية. فالروبوتات ليست قادمة، بل هي موجودة بالفعل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى